الطود الأشم بيوض في عيون أسبوعية البصائر
موقع الجريدة :
www1.albassair.org/index.php
مع المكتبة الوطنية في برنامجها أيام وأعلام: - ثالث العلماء الجزائريين الثلاثة - الخاتمين لتفسير القرآن العظيم تدريسا - الإمام إبراهيم بيوض –رحمه الله-
بتاريخ 18-7-1429 هـ الموضوع: سانحـة
ألقى سماحة الشيخ عبد الرحمن شيبان، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في المكتبة الوطنية، محاضرة هامة وشاملة عن فكر وجهاد الشيخ العلامة الإمام إبراهيم بيوض، في إطار سلسلة النشاطات الثقافية والفكرية التي تنظمها المكتبة الوطنية شهريا تحت عنوان:أيام وأعلام والتي حضرتها شخصيات بارزة وجمهور غفير من المثقفين والمهتمين بفكر العلامة الشيخ بيوض عليه رحمة الله.
ويسعد البصائر أن تنشر نص المحاضرة كاملا في سانحة هذا العدد تعميما للفائدة، وإحياء لتراث وفكر أعلام الجزائر البارزين، فإليكم ما جاء فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث هداية ورحمة للعالمين، وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أيها الجمهور الكريم الغيور، البار بأعلام وطنه، ودينه، ولغته!
السلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته
أما بعد؛ فها نحن نلتقي اليوم لنحتفي بعلم من أعلام الجزائر، إنه الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، ولد يوم 11 ذي الحجة 1316هـ، الموافق لـ: 21 أفريل 1899 بالقرارة، بالجنوب الجزائري..عاش حتى ناهز الثانية والتسعين من العمر، الذي سخَّره كله لخدمة القرآن، والسنة النبوية المطهرة..بدأ التدريس بشرح كتاب (فتح الباري شرح صحيح البخاري) بمسجد القرارة مسقط رأسه سنة 1931، واختتمه في حفل علمي بهيج في سنة 1945 الميلادية.
وفي غرة محرم 1353هـ الموافق لـ: ماي 1935 افتتح تدريس تفسير القرآن العظيم ليختتمه في حفل شعبي وطني عظيم يوم 25 ربيع الثاني 1400هـ الموافق لـ: 12 فيفري 1980.
أيها السادة والسيدات:
إن الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض -عليه رحمة الله- لم يكن مجرد عالم دين، تصدى لخدمة القرآن والسنة النبوية الشريفة، بل كان إلى جانب ذلك من رجال الإصلاح البارزين، إذ ساهم في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وانتخاب العلامة الإمام عبد الحميد بن باديس رئيسا لها سنة 1931م، وكان نائبا لأمين المال في المجلس الإداري للجمعية، وشارك في وضع قانونها الأساسي، وأنشأ معهد الحياة بالقرارة، الذي فتح أبوابه لأبناء المنطقة بصفة خاصة، ولأبناء الجزائر في جميع أرجائها بصفة عامة، من ذلك أن من خريجيه شاعر الجزائر الكبير، المرحوم الشيخ محمد الأخضر السائحي.
كما أن الشيخ بيوض -رحمه الله- كان مسلما غيورا على وحدة المسلمين، ووطنيا مخلصا، يدلّ على ذلك تلكم الجهود المحمودة التي بذلها للتقريب بين المذهبين الإسلاميين الوطنيين: الإباضي، والمالكي، والتي بفضلها أصبح الجزائريون شعبا مسلما واحدا، يصلون في مسجد واحد، إلى قبلة واحدة، ووراء إمام واحد، ويتصاهرون ويتعاملون فيما بينهم في أُخوة وإحسان، على خلاف ما يجري اليوم -واحسرتاه- في مدينة بريان.
ومن حرصه -رحمه الله- على روح التآخي والاتحاد بين الجزائريين بصفة عامة، وبين قادة الإصلاح منهم بصفة خاصة، أنه في اجتماع جمعه بالطلبة الجزائريين الزيتونيين، سمعته يجيب عن سؤال لأحد الطلبة عما أشيع -في تلك الحقبة- عن خلاف بين الإمامين الشيخ الإبراهيمي والشيخ العقبي، في شأن من شؤون الأمة الجزائرية مع فرنسا، فاندفع -رحمه الله- يفند الإشاعة، فقال:« إن ما بين الشيخين ما يفيد الجزائر في حياتها المادية والأدبية » مستشهدا ببيتين، في هذا الموضوع، لشاعر النهضة الجزائرية المرحوم محمد العيد آل خليفة، وهما:
خصمان، فيما يفيد الأمة، اختصما
إياك أن تـنقص الـخصمين إياك!
كلاهـما، في سبيل الله، مـجتهد
فـلا تـذمن لا هـذا ولا ذاك!!*
فكان لهذا الجواب وقع بليغ الأثر في نفوس الطلبة.
وإن التاريخ ليسجل -باعتزاز- للشيخ بيوض موقفه المشرف، في التصدي لمحاولة فرنسا فصل الصحراء عن الشمال في عهد الثورة التحريرية المظفرة.
أيها السادة والسيدات:
إن المحتفى به -رحمه الله- قد أنفق خمسا وأربعين سنة من عمره في تفسير القرآن العظيم تدريسا، وهو عمل في طليعة جلائل الأعمال، كما عبر عن ذلك الإمام محمد البشير الإبراهيمي -رحمه الله- في تقديمه لكتاب مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير وحديث البشير النذير، وهو تفسير الإمام عبد الحميد بن باديس -رحمه الله- لآيات من سورة الفرقان، جمعها ونشرها مساعده الأمين الشهيد السيد أحمد بوشمال -رحمه الله- يقول الإبراهيمي:« ما أحوج الإنسانية، اليوم إلى القرآن وهي في هذا الظلام الحالك من الضلال، وقد عجز العقل عن هدايتها وحده، كما عجز قديما عن هدايتها، لولا تأييد الله له بالأَمْدادِ السماوية من الوحي الذي يقوي ضعفه إذا أدركه الوهن، ويصلح خطأه إذا اختل ميزانه».
« وكما أن القرآن أتى لأول نزوله بالعجائب والمعجزات، في إصلاح البشر، فإنه حقيق بأن يأتي بتلك المعجزات في كل زمان...».
« ولو فهمنا القرآن كما فهمه السلف، وعملنا به كما عملوا، وحكمناه في نفوسنا كما حكموه، وجعلنا أهواءنا ومشاربنا تابعة له، وموزونة بميزانه..لو فعلنا ذلك لكنا به أعزة في أنفسنا، وأئِمة لغيرنا » (انتهى كلام الإبراهيمي).
ونمضي قائلين: من هنا ندرك لماذا سخر الإمام ابن باديس خمسا وعشرين سنة من عمره، أي نصفه، لتفسير القرآن الكريم الذي اختتمه في مهرجان شعبي وطني عظيم بقسنطينة، عاصمة الشرق الجزائري، سنة 1938م، وأيضا ندرك لماذا بذل الشيخ بيوض في تفسير القرآن الكريم خمسا وأربعين سنة، أي ما يقارب نصف عمره كذلك، ليختتمه في مهرجان شعبي وطني حافل بالقرارة، بالجنوب الجزائري سنة 1980م. وذلك أن الأمر يتعلق بإحياء أمة، وإيقاظها من سباتها، حتى تكون في مستوى رسالتها التي تضمن لأتباعها العزة والكرامة، والحياة المطمئنة في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة.
غير أن القرآن لا يمكن أن يحرك الهمم ويبعث الحياة في موات الأمم إلا إذ قيض الله لها رجالا أعلاما، يحسنون فهمه، ويمتلكون القدرة على تفهيمه لغيرهم من الناس، كما بين ذلك الإمام محمد البشير الإبراهيمي، في مقدمته للكتاب المشار إليه آنفا إذ يقول:« تفسير القرآن، تفهيم لمعانيه، وأحكامه، وحكمه، وآدابه، ومواعظه، والتفهيم تابع للفهم؛ فمن أحسن فهمه أحسن تفهيمه، ومن لم يحسن فهمه لم يحسن تفهيمه، وإن كتب فيه المجلدات، وأملى فيه ألوف المجالس».(انتهى كلام الإبراهيمي).
ولعل مما يميز مفسرا عن آخر، هو مدى قدرة الواحد منهم على تنـزيل أحكام القرآن وحكمه وآدابه ومواعظه على الواقع الحي المعيش، فذلك ما يجعل المستمع يتجاوب مع القرآن وكأنه أُنزل عليه. وهذا هو بالضبط ما يميز تفسير العلامة الإمام عبد الحميد بن باديس ثاني مفسر للقرآن الكريم تدريسا بعد أبي عبد الله الشريف التلمساني، الذي فسره تدريسا، أيضا، في العاصمة العلمية للغرب الجزائري تلمسان، في القرن الثامن الهجري-كما جاء ذلك في مقدمة الكتاب المذكور آنفا، وهو عين ما يتجلى في تفسير الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض -رحمه الله- الذي هو ثالث ثلاثة من العلماء الجزائريين الذين ختموا تفسير القرآن العظيم تدريسا كذلك، وتدرك تلك القدرة بوضوح فيما جاء في تفسيره للآية 92 من سورة الأنبياء:}إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ{وذلك إذ يشير إلى وجوب مراعاة التطور في شرح أحكام القرآن وحكمه إذ يقول:« ومن المعلوم أن الله تعالى لم يظهر كنوزه وعجائبه التي أودعها في مخلوقاته كلها في عصر من العصور، وإنما هي تظهر تباعا عبر العصور، فمنذ أن نزل آدم من الجنة والبشر في تطور، والله يظهر على أيديهم ما يشاء من أسراره، والمؤرخون وإن كانوا يقسمون التاريخ إلى عصور، فيقولون هذا عصر حجري، وهذا عصر حديدي، وهذا عصر نحاسي، وهذا عصر كهربائي، وهذا عصر ذري، ولا ندري ماذا يسمى العصر المستقبل، ولعله عصر الفضاء، فإن القرون لا تزال تمر، وحاجات البشر تتكرر، وعددهم يتكاثر، وأساليب المعيشة تتطور وتتغير، وهذا أمر ضروري حتى يتحقق قوله تعالى:}سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ{(فصلت، الآية 53) وبهذا يجعل الشيخ بيوض الاكتشافات العلمية من قدر الله، ومن آيات الله، التي وعد بإظهارها لخلقه، مما يجعل العلم في دائرة الدين، وفقا لأول ما نزل من القرآن الكريم في الآيات الخمس الأولى من سورة العلق:}اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ{.
ومن مناقب الشيخ بيوض –عليه رحمة الله- أنه يولي عناية خاصة لتغليب الجانب العلمي اليقيني في المسائل الفقهية، من ذلك أن المرحوم الأستاذ مولود قاسم آيت بلقاسم، وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية في سبعينيات القرن الماضي، دعانا معا، ضمن أعضاء المجلس الإسلامي الأعلى، للإدلاء برأي المجلس في العمل بالحساب الفلكي في تحديد أول الصوم، ويوم عيد الفطر؛ فقال للأخ الوزير مولود قاسم -رحمه الله-:« أتريد منا فتوى علمية أم فتوى إدارية» فأجاب:« إن ما أريده من المجلس الإسلامي الأعلى هو الفتوى العلمية، التي ألتزم أمامكم بنشرها، والعمل بها، أحبت الإدارة أم أبت» فانطلق الشيخ بيوض في إبداء رأيه في الموضوع، ملحا على وجوب الاعتماد على ما يقرره العلم، والإعراض عن العمل بالرؤية المتوهمة.
سيداتي سادتي:
إن الشيخ بيوض -رحمه الله- أثبت من خلال تفسيره (في رحاب القرآن) أنه عالم عامل مستكمل الأداة، وظف تفسيره لإيقاظ الأمة من سباتها، ولمِ شملها، فهو حقيق بإحياء ذكره، ونشر تراثه، والتعريف به ضمن الأعلام الذين ينبغي أن تدرس الأجيال سيرتهم في مناهجنا التعليمية والتربوية، طلبا للقدوة الحسنة.
هذا؛ وإن مما أشكر الله تعالى عليه أن أتاح لي معرفة الإمام الشيخ إبراهيم بيوض –العضو المؤسس لجمعية العلماء- عن كثب، فحظيت منه بمودة أبوية حانية، وتقدير علمي مشجع، كما حظيت بالمودة الأبوية ذاتها، والتقدير العلمي نفسه من مساعده في حياته، وخليفته من بعده- الرئيس الشرفي لجمعية العلماء- الإمام الشيخ سعيد شريفي (عدون) عليه، وعلى كل العلماء العاملين، رحمة الله ورضوانه.
وختاما؛ أسأل الله تعالى أن يرفع مقام الشيخ إبراهيم بيوض -رحمه الله- في أعلى عليين جزاء لما قدمه من خدمة لدينه، ولغته، ووطنه، ولتلك الجهود المباركة التي بذلها للنهوض بالشعب الجزائري بإحياء مقوماته، في عهد الاستعمار، وفي عهد الثورة التحريرية المجيدة، وفي عهد الاستقلال، هذا الاستقلال الذي نسأل الله تعالى أن تستمر مسيرته تحت راية القرآن الكريم، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهدي السلف الصالح.. اللهم آمين.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
عبد الرحمن شيبان رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
الإمام إبراهيم بيوض والتجديد
ظهر في أوائل القرن الماضي شاب ولوع بتجديد أوضاع الناس في الجنوب الجزائري، والبحث عن سبل تغييرها، وتجديد منهج التغيير، وتمكين الشباب من إصلاح أحوال الأمة والنهوض بها، معتمدا في ذلك على مصادر الإسلام، وأصوله من كتاب وسنة وسيرة السلف الصالح.
لم تكن رؤيته لهذا الإصلاح محدودة، ولا أصابها ضيق نظر، ولا تعصب مذهبي، تعلق فكره بمفهوم الأمة، لا بمفهوم آخر يحجب عنه هذه الرؤية الكلية الجامعة، فهو عضو بارز في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وذو صلة متينة بزعماء النهضة الإسلامية وأفكارهم، يقرأ لهم ويزورهم ويحاورهم، ذو اطلاع واسع على تراث المسلمين في تاريخهم الطويل، بمختلف مذاهبهم، ومناهجهم في الاجتهاد والبحث، فهو في تفسيره للقرآن الكريم الذي وهب له حياته وجهده أكثر ما وهب، لا يقتصر على ما ذهب إليه المفسرون القدماء وإنما يضم إلى ذلك التفاسير الحديثة وخاصة تفسير المنار.
وفي الحديث لم يقتصر على درس مسند الربيع وشروحه ولا على متونه وأسانيده وإنما عمد إلى الصحيحين: صحيح البخاري ومسلم فدرسهما برواية ودراية، بل أكثر من ذلك فإنه اعتمد درس شرح ابن حجر العسقلاني وهو فتح الباري في شرح صحيح البخاري لتلاميذه ومريديه.
وفي فتاواه لا يتردد أن يتفق مع فتاوى المذاهب الإسلامية الأخرى، إذا رأى صوابها، له آراء ينفرد بها، ويظهر تجديده في فتاواه، لا يخاف في ذلك لومة لائم، ولا تعصب متعصب، مواقفه معروفة، واجتهاداته واضحة.
فقد أفتى باعتماد الحساب الفلكي في رؤية هلال رمضان، معتمدا في ذلك على ما يقرره العلم، وأفتى بالإحرام من جدّه، كما أفتى بجرأة بوجوب صلاة الجمعة بعدما عطلت قرونا، ولم يعبأ بمخالفة المخالفين له، ولا ترددهم في ذلك سنين، وها أن فتواه اليوم عمت الجنوب، ولا يخالف في ذلك مخالف، وأفتى بالصلاة وراء كل إمام من أي مذهب كان، سواء كان إماما إباضيا أو إماما مالكيا أو غيرهما، وعني عناية كبيرة بالتربية وتكوين الأجيال، وتأسيس المؤسسات التي تكفل هذه التربية وهذا التكوين، وبعث البعثات العلمية إلى تونس، وحرص على رعاية الطلاب أيما حرص، لإدراكه أن الشباب جيل المستقبل وقادته، وقد أثمر جهده، وأتى أكله في شتى الميادين.
والذي يتميز به فيما يبدو عن بقية المصلحين عنايته بالجانب الاقتصادي في حياة الناس عناية فائقة، فوجه الناس إلى ذلك، وإلى أن الأمة الفقيرة في اقتصادها يمتد فقرها هذا إلى فقر في الأفكار والمعرفة، لذلك وجه أهل الجنوب إلى تأسيس المؤسسات الصناعية والتجارية قبل الاستقلال وبعده، فنرى اليوم هذه المؤسسات الإنتاجية ناجحة مثمرة في تلك المناطق وغيرها.
ربّي جيلا وأحيا شبابا، وحرك عقولا، وأنطق ألسنة بلسان عربي مبين، من كتاب وشعراء وصحافيين دلت آثارهم على نبوغ وتمكن بالغ من فقه العربية، وبلاغتها في الشعر والنثر والخطابة.
فإن أعز شيء عند المسلم بعد القرآن والسنة هو اللسان الذي بدونه لا تدرك المعاني، ولا يدرك روح التشريع، ولا يمكن الاجتهاد في نصوص القرآن والسنة اجتهادا حقيقيا، وقد أدرك هذا شيخنا، ودافع عن اللغة القرآنية أيما دفاع، ولا توجد عند الإباضيين وهم أمازيغ أقحاح أية عقدة، ولا أي موقف يضير العربية أو يمكّن لسانا أجنبيا يضارها.
فالشيخ الإمام بيوض من طينة جزائرية أصيلة نبغ في أرضه، وأخلص لدينه والثقافة الإسلامية وأصولها، فكان مجاهدا في سبيل إعلاء شأنها وبثها في صدور أبناء جيله، لا يكف عن ذلك، ولم يخضع لعراقيل تنصب له، ولا لمكايد تكاد لعمله، واثقا من نفسه، ومن منهجه ومن هدفه.
وقد كتب ابن باديس عن نبوغ الجزائريين إذا وجدوا ظروفا مساعدة وبيئة مواتيه، فإن الجزائري الذي يغترب من أجل المعرفة برهن على نبوغه وتفوقه.
قال ابن باديس: ثم انظر أيضا إلى جماعة من أبناء الجزائر خرجوا منها أيام الاحتلال الفرنسوي وبعده لأسباب، وكانوا في بيئات راقية ساعدتهم على إظهار مواهبهم، واستعدادهم الموروث، فكان منهم الزعيم الكبير كالشيخ الثعالبي، والسيد حسن قلاتي اللذين ما دارت الحركة التونسية في حزبيهما إلا عليهما، والصحافي الشهير كالصنادلي شيخ الصحافة التونسية، والعالم الخطير كالعلامة الشيخ الخضر بن الحسين، والكاتب الضليع كالسيد أحمد توفيق المدني، والعالم المفكر كالشيخ أبي إسحاق أطفيش، هؤلاء الفضلاء وكلهم من الطينة الجزائرية (...) كتبت هذا وبين يدي العدد الأول من مجلة المنهاج التي أنشأها (1) الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش الجزائري المقيم بالقاهرة لأقدّم لإخواني الجزائريين هاته المجلة الراقية التي هي أول نشرة جزائرية في مصر، عروسة الشرق الأدنى، ومجمع أممه، ومطمع أنظارهم، وعاصمة لغة الضاد، وأدعوهم إلى مؤازرتها لتظهرهم هنالك بالمظهر الشريف، وتعرب عن حالهم أمام أمم الشرق وأبناء العربية (2).
ونقل نصا من المجلة ومنها: أن هدف أبي إسحاق الدفاع عن الأمة وإيقافها على مجرى الأمور بالبلاد الغربية وفي إخلاص النصح لها ولحكوماتها، كما أننا لا نحرم إخواننا أهل المشرق من أبناء بلادنا المغرب، ليحصل الارتباط والتعارف التامان بين الأقطار الإسلامية وشعوبها، وليتحد العمل في إحياء المجد المندثر للإسلام، ذلك المجد الذي جاء به القرآن فسعد به العالم حينا من الدهر، وأعطى للبشرية أرقى تشريع، وأسمى نظام، عسى أن يعود شبابه وما ذلك على الله بعزيز (3).
وهكذا يلتقي الشيخ الإمام بيوض، والشيخ إبراهيم اطفيش في الهدف من إيقاظ الأمة بأوسع معنى، والنهوض بها مشرقا ومغربا، ويشيد ابن باديس أيما إشادة بجهاد الجزائريين ونبوغهم، وخاصة العلامة إبراهيم اطفيش المقيم بمصر –رحمه الله-.
فأكرم به من يوم تحيي فيه ذكرى الإمام بيوض وأعظم بها من كلمات ألقيت في منبر المكتبة الوطنية، وتحيات مباركات للذين قاموا بهذه الذكرى وفي مقدمتهم مدير المكتبة الوطنية الأستاذ د.الأمين الزاوي شكر الله سعيه في إحياء أعلام نسيهم الناس.
الهوامش:
1- في الأصل: أنشأت.
2- المنتقد العدد 07 الخميس 23 محرم 1344هـ/13أوت 1925.
3- المصدر نفسه، ونقل ابن باديس محاضرة ألقاها الشيخ إبراهيم اطفيش في الاتحاد والتعاون ألقاها في جمعية تعاون جاليات شمال إفريقيا. انظر المنتقد العدد 09 الخميس 07 صفر 1344هـ 27 أوت 1925.11
كتبها تجمّي في 02:16 صباحاً ::






























الاسم: تجمّي
